الثلاثاء، 17 أبريل، 2012

اونـــدى

بـريشة الفنان النوبى
"أبراهيم سيد"
ذهب ليبصق بعيدا عن مجلسه تحديدا فى الصفيحة التى تحوى مخلفات المنزل بجانب "الديو"1 , عاد ليجلس على "الاناريه"2 باسفل ظل نخلته المحببة التى تعطى واحة من الظل وسط رمال الحوش الصفراء
, فرد العراجى بعد ان ربع قدماه اخرج من جيبه ورق البافرة وعلبة التبغ فضية اللون نحاسية المعدن , نظر بعينه الى معشوفته المفرودة فى ورقة تحت لهيب الشمس , يعشق تلك النبتة حتى انه ضحى بحوض من ارضه المزروعة بالدرة الشامية واختص ذلك الحوض ببذور الكمنجة3 بعد ان احاط الحوض ببضع حبات من اللوبيا حتى تغطى على رائحة الكمنجة النفاذة التى تجذب متعاطيها من على مئات الامتار ,
نادى على "شميشة" لكى تحضر له الورقة وما فيها , فى سرعة ملحوظة كانت الورقة على حجر "اوندى" ,
ولما لا فرمال الحوش الساخنة قادرة على تحويل شميشة المدللة الكسولة الى غزال تكاد خطواته تلمس الارض , اصبحت السيجارة جاهزة فقط عليه تمرير لسانه المبلل عليها ليحكم اغلاقها ,
نظر اليها باشتهاء فعلا "احسن من اى سيجارة مكنة" كما يردد عندما يتباهى بقدرته على لف سجائر تضاهى ما يخرج من المصانع ليباع فى علب جاهزة , سحب اخر انفاسه فى تلذذ وما ان فرغ منها حتى قام ليلقى ما هو ليس صالح للشرب فى صفيحة المخلفات ,
بمجرد ان خطى ناحية "الديو" حتى سمع طرقتان على الباب تلاهما صوت الكالون وهو يسحب من مكانه عن طريق الحبل المربوط به والذى يوجد طرفه من الخارج ناحية الشارع فى تقليد نوبى يعكس عبارة الترحيب الشهيرة (البيت بيتك) بل هو يجسدها حرفيا , دخل "حسن اوش الله" مضمض اوندى لعابه وبلعه مضطر راجيا فى يأس ان تكون رائحة فمه قد زالت وهو ما لم يحدث فشدة اعتنائه بنبتته اعطاها رائحة نفاذة تضاهى مفعولها القوى ,
"كمنجة تانى يا اوندى" قالها متجهما بعربيته المكسرة فضحكت شميشة الصغيرة التى حتى توجعها لاتعبر عنه الا بالنوبية , تستغرب هى تلك اللغة وتضحك على طريقة نطقها تمام كما يفعل ناس مصر مع من يتحدث النوبية ,
لم ينطق "اوندى" فبالرغم من الشيب فى راسه واقترابه من منتصف الثلاثينيات الا ان احترام الاخ الكبير لا يوجد له عمر افتراضى , بعد صمته رفق به "حسن " فوضع يده على كتفه

وقال له " جايلك فى حاجة مهمة" يصر هو على التحدث بالعربية واوندى لا يضيق صدره شىء مثلما ان يتحدث نوبى بالعربى لمجرد انه حاصل على شهادة من شهادات الحكومة ,
حاول ان يجاريه فى الحوار قال له حسن " عايز تجهز حالك عشان خلاص دى هتكون اخر دميرة 4 رد عليه " ايه البحر هيعملوا له محبس هو كمان !!" ضحك حتى سعل مازال منتشى هو , لم يعلق حسن وانتظر حتى هدىء سعاله وباغته " لا احنا اللى سايبين المكان وماشيين , "ماشيين فين يعنى .؟ عقب اوندى

"كوم امبوا وناس خلانك فى اشكيت5 ماشيين حلفا الجديدة " رد منفعلا " كوم امبو "ميناه"6 , حلفا جديدة ميناه, مالها بلادنا ,
السد بتاعك دا بوظلك دماغك ابقوا ورونى هتعيشو ازاى هناك , كوم امبوا "كاتى دافا"7 انت عارف اصلا كوم امبو دى شكلها ايه , ياراجل دى بلد الكلاب بتاكل فيها بعض من الجوع , انتوا هتقدروا تعيشوا هناك ,
ابقى ادبح مراتك المسلعوة دى يدوبك تفطر بيها " ضحك تانى بصوت اعلى ليس لانتشائه تلك المرة بل هو القلق ما يداريه بصخب ضحكاته , " كلنا هنمشى ونروح كوم امبوا , نروح للكهربة والميه فى حنفايات لحد البيت , مدارس جوامع " هى اصلا المدارس دى اللى بوظتك" قاطعه اوندى ,

"حد يكره الخير يا عبيط انت " رد حسن منفعلا , والله يبقى عبيط اللى يمشى ورا كلامكم" قالها بلحظات قبل ان تدخل عليهم دهيبة زوجة اوندى حاملة صينية الغداء المغطاة بالشوير
, علق اوندى فى مرح "شوفت انا اه مكانى والاكل مش الموية اللى بتجيبلى لحد عندى , تقولى كوم امبوا " قهقه ورغم عنه ضحك حسن ورفع بيديه الشوير من على الطعام , بسمل فى سره ونظر لاوندى حتى يقلده وبدا فى الاكل,.


, بعد صلاة العشاء تتحول مصطبة الجامع الى مايعرف بالنادى الاجتماعى , فهناك يتجمع اهل "توماس"8 رجالهم يجلسون على المصطبة ويلعب الاطفال على مقربة منهم , "يا جماعة الجاى خير , وخير كتير كمان , انتوا عاجيبكم حال بلادكم دلوقتى
من ساعة الخزان وارضنا بقت خلاص مش هى , بس انتوا اللى مصممين , طلعتوا الجبل سكنتوا مكان التعابيين والفوديه9 , جت التعلية غرقت نص اراضيكم , فكروا بقه
بالعقل خلاص الارض دى بقت خراب , اما كوم امبوا , فمية من الحنافية زى مصر وكهربة , ومدارس يدخل فيها عيالكم بدل ما هما بيطلعوا يادوبك بيعرفوا العربى عشان يصلوا بيه " انتفخت عروق "حسن" وهو يخطب خطبة عصماء يبدوا انه تمرن عليها طويلا او القيت عليه مرارا حتى حفظها
, قاطعه " احمد اشرفية" متشككا وافرض يا استاذ حسن احنا قولنا لا " ومين يقدر يقول لا يا احمد, مصر كلها دلوقتى بتسمع كلام عبد الناصر اللى خلصنا من الانجليز وشغل الناس الفقراء وبقه ليهم صوت , ثم احنا قد ايه عشان نقول لا ونقول لا ليه فى حاجة خير يا احمد " سعل اوندى وبصق فى مكانه دليل على عدم رضاءه " خير اللهم اجعله خير , اسيب دارى انا ودار ابويا جبلى , عشان مية حنفية , طيب ما المية اه قدامنا بنشرب زى ما احنا عايزين , حتى كلود 10شميشة عملناه هناك , دلوقتى يعنى يا حسن لو مرتك جابت لك عيل هناك , هتعملوا الكلود فى الحوض تحت الحنفية " قالها واطلق ضحكته مجللة تابعها ضحكات كل من جلس متشفيا فى حسن الذى لم يتكلم بعد ان غلب كلام "اوندى" منطقه الذى تعب كثيرا حتى كونه او للحق حتى استوعب ما لقنوه اياه ,

فى زيارته الاخيرة لمقر الاتحاد الاشتراكى فى اسوان , لم يقتنع "حسن " فى البداية بكلامهم ولكن هم لم يتركوا له فرصه للشك , اثناء زيارته اخذوه فى جولة ليتفقد مكان خزان اسوان , وحرصوا ان يمر فى طريقه بموقع الجيش ولوءاه باسوان حتى يرا بعينه مايمكن ان يراه يوما فى نوبته اذا ما اعترض او رفض اهله التهجير ,
تظاهر بتماسكه بالرغم من العرق الذى تقطر منه باردا عند رؤيته للمنظر , التهجير قسرى اذا لا محالة , زاد شكا وصل لدرجة كفر بكل الكلام عن المساواة عن الخير الذى ينتظر ابناء مصر من النوبة لكن لم يجرا ان يجاهر بكفره ,
مرت احداث تلك الزيارة خاطفة فى مخيلته , فاحس بمنطقية تعليقات اهل بلده البسطاء وسخف مبررات اتحاده الاشتراكى , ولكن مازال عاقد العزم على السير فى ركب الحكومة فقاطع سخريتهم قائلا " عالعموم قلت لكم ,
وانتوا بكره تطلعوا وجبلى كمان لو مكانش عشان خير كوم امبوا بس عشان تتقوا شر عمركم ما شوفتوه لو فضلتوا فى ارضكم " , سكتوا وتحادثوا فى احاديث جانبية خافتة , اما اونـدى ففطن لكلامه واجابه فى نوبة نرفزة نوبية " اقسم بالله يوم ما تحكم

ليشوفوا الشر دا قبل ما نحنا نشوفه
" ,


صحى قبل ان ينطلق صوت المؤذن ليدعو الناس لصلاة الفجر , هى غير عادته حتى زوجته فؤجئت باستياقظه " هى اوندى كودا فينا؟ (هل انت بخير يا اوندى , رد عليها "اي شديده الحمد لله" , ثم ذهب ليتوضا فى ركن بعيد بالحوش المتدثر بنجوم السماء , تناول افطاره وارتشف شاى الصباح بمزاج , ايقظ شميشة فى حنان بالغ مألوف منه , غسل لها وجهها , البسها بنفسه ثم اخبرها ان تاتى معه ,
لم يكن محتاج لمعاونتها فلقد حمل هو كل شىء , فأسه قفته و عروق اخشاب تستعمل احيانا كسقالات عند البنائيين النوبيين , هو فقط ارادها ان تراه وهو يعمر فى ارضه , اراد ان تشب وهى تحمل نفس الانتماء الذى يوجد داخله ,
"هوشش" قالها لحماره فتوقف ارتجل منه حمل صغيرته التى مازالت على ظهر الركوبة

تركها بسلاله ورقة على الارض , ربط الركوبة فى اخشاب شجرة "ابض"11 هرمة , مستخدما حجرا جيرى رسم على الارض حدود منزله القادم واسع كعادات ديار النوبيين اتى الى حيث بدء, انهمك فى تسوية الارض مستخدما فاسه وقفته , يتصبب العرق من جبينه دون حساب مسحه بظهر يده ونظر الى شميشة التى اختار لها مكان ظليل لكى تجلس فيه , اخذه التعب ارتاح بجانب صغيرته حادثها بالنوبية " هنا ستتزوجين فى دارك , ضحكت الفتاة فرحة بكلامه فكثيرا ما تلعب دور العروسة مع اقرانها وسط ضحكات ذويهم ,
اعتقدت ان الاب يكلمها عن تلك العروسة التى تتقمص دورها يوميا, شرب واستلقى تحت الظل قليلا , عاد لمكان منزله الاتى وقف تخيل شكل البوابة , فكر غدا سيذهب الى شط البحر سيحضر طمى لكى يقوم بقطعه الى طوب حتى يتمكن من اقامته على احسن وجه سيكون اجمل بيوت توماس يمنى نفسه ويتحداها

سيعده كمزل لعروس , حتى الاطباق الصينى التى تزين بوابات بيوت النوبة سيذهب الجمعة القادم مع "زين نفيسة" بمركبه الى عنيبة12 لكى ييشتريها من هناك ,
تصور هو كل التفاصيل ومصر عليها ,يفرح كلما اضاف خياله تفصيل جديد , رضى بما رسمه خياله حمل رفقيته واحل الركوبة من مربطها , اركب اميرته الصغيرة ثم ركب

هو نزل منحدرا الى بيوت القرية مع انكسار شمس الظهيرة
.


استاذن من الريس زين , ان يمهله دقائق حتى يقوم باحضار بقية اغراضه من المنزل , زمجر لطلبه زين" حاول مخاطبة وده واعلمه ان سيوافيه بعد دقائق عند المرسى , لم يكذب تلك المرة هى فقط 10 دقائق ذهب الى المنزل لاحضار معشوقته الخضراء وباقى العدة

فلقد تركهم فى المنزل مثلما يفعل عند كل صلاة , بعد ان ساروا فى النهر لفترة وعلى مدى نرهم لمحوا "البوستة" الباخرة التى اعتادت ان تحمل لهم الاحباب وتخطفهم ايضا , وبجوارها مركب بخارى ايضا هيكله يظهر وكانه بنى بطريقة خاظئة فالهيكل الحديدى هو جل مايظهر منه , لمحوا "ابريم"13 على غير عادتها خامدة ساكنة
سكون لم تعهده , اهلها المحبين للحياة جرودا منها ,
يمشون ثقالى الاقدام ينتظرهم ذلك المركب الغريب ليحويهم داخل هيكله المخيف هم وحيواناتهم , " حكومة وسخ ايرا

, الهى فاروق يرجع تانى بدل ما ولاد الكلب دول يتحكموا فينا , والله كان ملك مش ولاد الرقصات دول يحكمونا " طلع السباب من فم "زين " حارا كانفاسه الحزينة على بدء عملية التهجير , لم يعلق "اوندى" على كلامه فدخان سيجارته جعله يتامل اكثر فى شكل بيته القادم ’ ابتسم بانتشاءه سرح بخياله , راى نفسه جد لاولاد شميشة
ابتسم عدل من مجلسه ,
فرد "الكاسير"14 على وجهه وراح فى قيلولة سريعة .

انزل المرساة مع "زين" استاذنه فى الذهاب بعد ان ودعه , فزين سوف يكمل الرحلة حتى الشلال وسيعود هو عن طريق البر , ذهب لابناء عمومته , تناول غداءه عندهم , استاذنهم فى الذهاب للتسوق , نبهوه الا يتاخر على العشاء وعدهم واوفى عاد مع اطباقه الصينية وضعها جانبا وتعشى , يفرح كلما زار عنيبة ففيها يرى النوبيين من كل البلاد , يتقابل مرة مع صديق له من قرشة ,
واحيانا يتقابل مع رجل قد تشاجر مع من قبل فى اثناء زياراته لادندان , هى تقريبا عاصمة النوبيين نعم , يمكن اختزالها فى ذلك المسمى , اطفى سيجارته ودفن باقيتها تحت رملة الشارع , ثم دخل لينام فغدا سيعود لتوماس .




بمجرد ان ابتعد عن نظر اقاربه حتى بدا فى ضرب الركوبة , مستعجل هو على العودة لتوماس الشوق ليس للبلد بل هو الشوق لبدء ما خطط له و عند اخر نجع فى عنيبة بدء عواء الكلاب اعلى مر بابريم تعجب بيوتها تبدو حزينة صعق , اكان اهل ابريم من الجبارين الكفرة "فاخذتهم الصيحة مصبحين", ليست تلك ابريم التى يعرفها لم يبقى فيها حىء الا الكلاب التى توحشت فبعد ان كانت صديقة الانسان بدات الان تهاجمه من جوعها رفع رجله من الركوبة دق قلبه خوفا ,
حتى كلاب النوبة يوما لم تكن بتلك الوحشية , حماره الان لم يعد يحتاج لضرب فلقد اخذ يعدو كمن اصابه مس

احيانا يتوقف فجاءة لركل كلب طال فكه ذيله , ثم يواصل العدو ,
وصل على مشارف توماس لم تقف الكلاب الى بعد ان تدخل اول من قابلهم ثلاثة بالعصى وذهب رابع لاحضار باقى العشا حتى ياكلوا ,
بمجرد ان اشتموا الطعام هدء النباح , ثم اكلوا وكانهم لم ياكلوا من قبل , سبحان الله بسبب الانسان كادت ان تفترس الكلاب اوندى وركوبته وبسبب الانسان ايضا عادت لعادتها فى الوفاء , استراح شرب , رفض ان يحضروا له العشاء هو على استعجال وعلى شوق لشميشة ,
تفحص اطباقه فقط 3 منها كسرت حمد الله انه قد اخذ حذره فاحضر 5 اطباق زيادة ودعهم بالنوبية احضروا له الركوبة التى مازالت تلوك عود البرسيم الطرى , مشى جانبها قليلا ثم امطاها فى الطريق الى البيت.



.
استقيظ على ترحيب امراته بضيوفها , لم ينتبه لاصوات النساء لم يستطع تميزهم , ولكنه سمع صوت خاله " محمد عواض" نهض مسرعا , راءه عانقه بشدة ضاع فيها كسل النوم وتبعاته , استذنه ليغتسل , عاد سريعا مع دخول اكواب الشاى "للمضيفة"15
شربوا تحاكوا فى كل شئ , ضحكوا كثير , قاطع حديثهم دخول "حسن" الى المضيفة , ارتمى الاخر فى حضن خاله طال العناق علق "اوندى" وحدوا الله يا رجاله مش كدا , ضحكوا وتباعدت اذرعتهم , لم يمر وقت طويل حتى اتى الغداء , فتح الخال الشوير , فى عادو نوبية تقتضى ان يفتتح الضيف المأدبة , اثناء الاكل سأل الخال حسن , "صرفتوا للناس التعويضات " انتبه "اوندى" وبلع حسن ريقه "لسه يا حج , فى وفد من الاتحاد الاشتراكى هيجى يمضى الناس ويسلمها فلوسها ,
" صحيح البيت تمننتوه ب 5 جنيه " رد فى انفعال مصطنع " خبر ايه يا حاج ايه تمنتوه , وان مش نوبى ولا ايه يا حج , الحكومة مضطرة عشان ظروفها الاقتصادية نستحمل شوية , " مضطرة ميناه , دا احنا فى خشم القربة16 تمنوا لينا النخلة ب15 جنيه مش البيت ,قالكم عبد الله خليل17 ,
تعالوا مع اخوالكم واهاليكم خشم القربة" قاطعه " ياخال احنا مصريين ومانطلعش من بلدنا ونروح نلجى فى بلد تانى" تحسر الخال" بلد تانى , بقينا اتنين خلاص يا حسن اشكيت وحلفا اقربلك ولا كوم امبوا بتاعك دى " صمت مفحما , استأذن الخال من اوندى فى الانصراف , اقسم باغلظ الايمان ان يكمل نايبه من الطير ,

عاد الخال منصاعا لطلب اوندى استكمل غداه فى بطىء , استاذن حسن فى القيام وخرج مسرعا دون حتى ان يدع اوندى يقسم مجددا.



اوصل خاله حتى المرسى فى الطريق رجاءه اكثر من مرة ان يبقى عدة ايام , اعتذر خاله برقه تنتظره الان مشغوليات كثيرة تتعلق بالتهجير الوبال الذى كتب عليهم , عند البحر حضنه بكل قوة , سالت دموعهم فالوداع هذه المرة ليس عاديا بل هو وداع وتابين , تابين لتلك الارض التى يعلم انه لن تأطها قدمه بعد ذلك , "ابقى زرنا فى خشم القربة يا اوندى , خلانك كلهم مشتقيين لك " "باذن الله يا خال, السلام امانة لكل ناس اشكيت " , كفف دمعه واحل مركبه من مربطها وهو يردد "يوصل باذن الله يوصل " عديلة يا خال عديلة " زعق بها وهو يرى مركب خاله متوجها جنوبا يشق البحر سابحا ضد تيار النيل الذى لم يمنع فيضانه من قبل تواصل الصلة بين نوبة الجنوب ونوبة شمال الوادى ,
لم يعرفوا حتى تلك التقسيمات وتلك الحدود الا قريبا , اختفى قارب الخال عن النظر , اخذ اوندى فى الصعود الى منزله وهو يدندن اغنية نوبية عذبة اللحن ,.



زاره حسن بعد العشاء على غير العادة , "هو دهيبة كوتا شاى جاويه" طلب من امراته
ان تعد لهم الشاى " لا لا والله فيسكموا "نطقها حسن راجيا ان يعفيه من الشاى بسبب عد م وجود مكان له فى جوفه بعد العشاء , "انا بس عايزك تسمعنى كويس فى اللى راح اقوله لك , عايزك تحضر نفسك كدا انت والجماعة عشان خلاص كلها شهر بالكتير ونسيب البلد ونروح كوم امبو" ,
ابتسم ابتسامة ثقة وتابع" ماشين لوين يا حسن كوم امبو تانى , ماشى يا حسن ربنا يسهل " استغرب من تفهمه هذه المرة

ولكن لم يشاء ان يساله على سر تغيير تفكيره , فهو لايضمن ان لا يعود لسابق عهده فى لحظة , استاذنه بالذهاب اوصله حتى الباب ودعه ثم عاد لداخل منزله واستغرق فى التفكير , البيت مايزال بحاجة الى مزيد من العمل , غدا سياخذ نعجة وجدى ليراعاهم عند بيته الجديد لكى يعتادوا ايضا على المعيشة هناك , "تتسهل باذن الله" زفرها فى تفائل , خلد لنومه مرتاح يشعر بانه انجز شيئا ما فى حياته ,.


تلعب فرحة مع اقرانها , ناداها لم تسمع كرر نداها , اجابته بانها تلعب , طلب منها المجىء لم تذعن , قام بعصبية ضرب مؤخرتها ادخلها المنزل , زعق فى وجها مستاء هو من انها لم تعيره اهتمام عندما نداها , مستاء اشد استياءه انه مد يده ليضربها
تبكى امامه بصوت مبحوح يجرح حنجرتها ولكن ليس بقدر مايجرح قلب اوندى , لم يستطيع تادية دور الاب القاسى اكثر من هذا , احتضنها بقوة , خف نحيبها يقبلها بشغف راجيا ان تسامحه , حنونة هى عليه مثلما هو عليها قبلته فرح وانزل دموعه على كتفها , المنظر غير واضح المعالم لاتعلم من يصالح الثانى من يواسى الاخر
من هو الوالد ومن فلذة الكبد ,
امضى اغلب اليوم برفقتها هى اقرب اصدقاءه تفهمه برغم صغر سنها , 3 سنوات هى اجمل سنين عمره قضاها مع رفيقته , انتظم فى صلاته بعد ان رزقه الله بها , توسعت ارضه وزاد حصاده منذ مجيئها , كل جيد فى حياته مرتبط بقدومها لتلك الحياة , رجته دهيبة الا ياخذها معه فى هذا الوقت ,
فالدنيا بالخارج مشمسة اكثر من ما تحتمله تلك الصغيرة , تردد يريد ان ياخذها معه لاعلى الجبل لبيتها القادم ولكن لايريد ايضا ان يفكر فى اضعف احتمال ان ترهقها تلك الزيارة فتركها مرغما فى البيت , ارادت ان تصاحبه اسكتها بانه سيذهب لاحضار حلويات لها وسيعود , هدئت قليلا ثم ودعته , وقف يتامل البناء اعجب بمهارته فى العمارة , البيت قارب على الانتهاء ,
اهل القرية لايعلموا شيئا عن ذلك البيت فلقد اختار له مكان باعلى جبال توماس ناحية الداخل حتى لايراه اهل القرية , سيقيم فرح شميشة بالقرب من منزلها , مجرد التفكير فيها يجدد له الامل , الامل بان هذه البلاد لن تغرق وانها ستشهد زفاف جميلته على صاحب النصيب الذى سيختاره لها كافضل من يكون ,

حصن نفسه هو من الطوفان او هكذا ظن , لايفكر كثيرا مثل حال اهل البلد , حتى امراته لم تحزم اغراضهم ولم تخيط على الشنط قماش البفتة مثلما فعلت كل نسوة القرية , مازالت ملابسهم قابعة فى ذلك الصندوق الخشبى التليد المزين بنقوش غريبة اقرب الى طلاسم لمن يمتلكها الان ,
ولكنها كانت تصاوير ولغة حياة لمن اورثوهم تلك الصناديق التى توجد فى كل بيت نوبى ويتوارثها الاجيال منذ مئات السنين لدرجة انهم نسوا متى بدات تلك العادة ومتى تم صناعة تلك الصناديق ,



الحزن حكم القرية تلك الليلة ليس هناك ابتسامات , احاديث النسوة وونسواتهم تحولت لعويل صامت , الاطفال حتى ادركوا ان هناك خطب فى نفوس اهلهم , فلم يخرجوا كالعدة ليلعبوا "الحندكيه" بجوار جامع القرية , اوندى لوحده مرتاح البال , ذهب ليخبر حسن بخبر سيربك كل حساباته الحكومية ,
سيخبره اليوم بامر منزله الرابض على اعلى جبال توماس , راه فى الشارع اوقفه , اخبره بامره فرحا , اقتضب صعق لكلامه صمت فكر دقيقة , "والطوفان لما يجيلك" رد بثقة انا اخترت اعلى جبال توماس والغرب كله حتى طوفان البحر ما راح يطوله " لاعاصم اليوم من امر الله " حاول ابتزازه دينيا , وامر الله اننا نسيب بيوتنا الله اتخلقنا فيها , نسيب نخيلنا , والله ابدا ماربنا حكم بظلم ولا يرضى بيه" استشعر تصميمه على البقاء , فى اعماقه يتمنى ان ينجح

ولكن فى ظاهره يثنيه , "طيب عالاقل سيب دهيبة وشميشة يجوا معانا , فكر قليلا
غلبه المنطق هذه المرة , مغامرته غير محسوبة , يتحمل هو عواقبها على نفسه
لكن ليس على دهيبة او على شميشة الصغيرة , صمت ثم نطق "ماشى , بس مايغيبوا عن عينك لحد ما ارجع واخدهم معايا " لم ينطق فقط اومى براسه موافقا على كلامه ,,


قبل تلك الجميلة فى كفها الرقيق , احتضن دهيبة همس فى اذنها ضحكت وسال دمعها , حضن امراة اخيه وكذلك فعل مع حسن , ود ان يسلم على كل فرد فى قريته , ولكنه فضل الا يفعل فمندوب الحكومة عند المرسى وسسيجبره رجاله على الصعود لتلك المراكب القذرة التى اعدوها لتهجيرهم , حميرهم وجواميسهم جنبا لجنب معهم , وضع لم يعتادوه قذارة مسبقة حملها المركب اضيفت اليها فضلات حيواناتهم , اخذ يعرج ونظر الى النيل من بعيد يسمع نساء القرية يولولون فى ماتم ليس لبشر بل لارض اعز واغلى من اى بشر سكن فيها ,
رق دمعه شاركهم النحيب , يرى النساء يلطخن شعورهم ووجوهم بالنيلة الزرقاء , فى طقس وثنى عند النوبيين فى حالات الوفاة لم يمنع الاسلام من استمراره ,كما لم يمنع ايضا استمرار النوبيين فى تعميد اطفالهم عن النهر كعادة باقية منذ ايام ممالك علوة وفرص المسيحية , استمر فى الصعود لم يحتمل منظر وداع ناس القرية , اختبى فى احضان بيته الجديد بكى كما لم يفعل من قبل , انتفض جسده عن سماعه صافرة المركب البخارى ذهب ليلقى نظرة الوداع على اهل توماس دعى فى سره ان يراهم مرة اخرى عائدين ,

بكى وهو يدعى ,,


بكى وهو ياكل ,بكى حتى عند نومه
اصبح وحيد اصبحت القرية موحشة تونسه اغنامه , اصبح يومه يبدا باكرا يحلب عنزته , يشرب بلبنها كوب الشاى , ثم ينزل لارضه يفلحها ويقطف ما نضج من زرع , ليعود به الى منزله , طعامه اقتصر على غلال اللوبيا , اشتاقت نفسه للحم الضأن نظر لعنزته ساورته شهيته , ثلم رفق بحالها لم يشىء ان يجعل رفيقها وحيدا , فلقد جرب هو الم الوحدة ويتمنى من قلبه الا يحكم الله على احد بهذا العذاب , مضى اسبوعين وبضعة ايام , صار اشبه بالبشارية18" شعره كثيف مجعد اليوم بقى مكان منزله , فلقد احس ليلا اثناء استحمامه فى النهر بعلو الماء ,
وهو ما تحقق منه عند اشراقة الصبح فلقد اتى الماء على ما انخفض من اراضى حتى غطاها , لازالت ارضه بعيدة ولكن الى متى , عبث فى اغراضه اخرج صورة لشميشة التقطتها احد السيدات الالمان الذين اعتادوا على زيارة النوبة وتسجيل تراث ولغة اهلها منذ عام مضى , كانت فى الثانية , تغيرت كثيرا منذ ذلك الوقت ولكنه لا يملك لها الا تلك الصورة قبل الصور برفق ومسح من عليها ماجادت به عينه , ثم اعادها الى وسط اغراضه ,.



تصرخ هى كثيرا فالجو خانق فى تلك العلب الاسمنتيه , ليس هناك فسحة لطفل يجرى , الناس ضاقت بتلك المساكن , برائحة الحيوانات التى ارغموا ان يشاركوهم فى منازلهم فى عادة غريبة على ناس النوبة , فمنذ ان استانسوا الحيوان وهم يبقوهم بعيدا عن مكان معيشتهم , حاولت دهيبة تهدئتها احيانا بالغناء لها وكثيرا بوعدها انه سيأتى , فقط سيتغيب بضع ليال ثم سياتى لها محملا بالالعاب التى تباع فى مصر
هدئت قليلا , استغلت الام ذلك حضنتها ثم اخذت تقرا القران فى اذنها حتى نامت الصغيرة تحسست الام جبهتها , حرارتها مرتفعة , فزعت الام كما لو كانت رات ابليس , دار فى فكرها المرض الذى ابتلوا به فى تلك الارض الجدباء , فمنذ قدومهم حتى اليوم تتوالى يوميا الجنازات من كل ديار النوبة , اغلبهم من الاطفال وكبار السن , لم تترك خيالها يغلبها جرت بشميشة الى حسن اخذها الى الوحدة التى لم يكتمل بناءها سأل عن الطبيب المقيم اسما لا فعلا لم يجدوه ,
حاول "حسن " ان يهدء من روعها , روحى البيت اغلى لها شوية حلف بر وحرجل , وانا هروح اجيب الدكتور والحقك على البيت علطول" , بكت وانصاعت مضطرة , زارتها النساء فى البيت , الوجوم على وجوهم ,
ليست زيارة مريض تلك بل هى بداية لحداد قادم , البعض لم يتمالك نفسه فاجهش البكاء , شميشة لم تعد نضرة كعادتها اصفرت حتى اصبحت فى لون تلك المياه ذات الرائحة الغريبة التى يشربوها من حنفية الحكومة , تقيأت مرة اخرى غسلت لها امها مكان ما افرغت عادت لها بجلباب جديد لتلبسه بدل المتسخ ,
لم تقم بتغيير ملابسها فلقد سمعت صوت احد النسوة وهو تنحب فى انفعال " ايبيوه دهيبة ابيوه , ايبويه اوندى ابيوه , شميشة ووه كدودا ايبويه " لم تحتمل الصدمة خرت فى الارض وتجمع حولها من كانوا اصلا موجودين فى البيت ومن اتوا على صوت الصراخ الذى انطلق من البيت , .



اضطرب هو لايدرى ماذا يفعل البحر على بعد امتار من مكانه , فك رباط عنزته وجديه
لم يتحركوا هش عليهم مرارا حتى انطلق الجدى تبعته عنزته الى ناحية الجنوب , اخذ يعبث فى اغراضه بعصبية , ارتاح عندما التقط اصابع صورة صغيرته , حضنها قبلها , نظر للماء الذى ارتفع اكثر واكثر , لم يعصمه الجبل , هو غير عاصى فلماذا يعاقب بالطوفان ,
لم يحتمل ان يرى بلده تغرق فضل ان يرحل قبل ان يرى ذلك, قفز من مكانه الى الماء , بقى على صفحة الماء لبرهة يحمل صورة صغيرته , حزين هو لفراقها فلن يراها تكبر ولن يراها عروسة كما تمنى دائما لها ,
اوجع قلبه التفكير فالفراق صعب , قبلها متمنيا لها كل خير فى الدنيا, مسكين هو لايعلم انه سيجدها فى انتظاره , لم

يتخيل انها ستكون شفيعته رغم انه اعتاد ان الخير دائما ما ياتيه من جهتها .

---------------------

1- مكان الخبز فى البيت النوبى
2- سرير يصنع من اخشاب النخل
3- نبات البانجو
4- فيضان
5- قرية نوبية فى جنوبة النوبة
6- ماذا
7- بئسا لها
8- قرية نوبية بشمال النوبة
9-الخنافس
10- سبوع
11- حنضل
12- قرية نوبية كانت مركز فى النوبة القديمة
13- قرية نوبية
14- العمامة
15- مكان استقبال الضيوف من الرجال فى البيت النوبى
16- المكان الذى هجر اليه نوبيى السودان
17- رئيس وزراء سودانى
18 -فرع من قبائل البجة يمتازون باطلاقهم لشعورهم الكثة المجعدة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق